2020/09/23 4:07:13 مساءً
أخبار عاجلة
الرئيسية / آراء ومقالات / رد الشبهات حول أسباب إخفاق مسلم بن عقيل “ع” في ثورته

رد الشبهات حول أسباب إخفاق مسلم بن عقيل “ع” في ثورته

ينابيع الجفر – اللجنة الإعلامية بجامع الإمام الصادق “ع”

خطبة الجمعة 4 محرم 1435هـ لسماحة الشيخ أحمد الخليفة، إمام وخطيب جامع الإمام الصادق عليه السلام بالجفر

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين

عظم الله اجورنا وأجوركم بمصاب سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين سلام عليه

هكذا بدأ سماحته المحاضرة والتي كان عنوانها ( أسباب إخفاق مسلم ابن عقيل عليه السلام في ثورته)

يتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدت إلى اخفاق مسلم في ثورته ويوعز ذلك الى أسباب ظاهرية وهي أن ابن عقيل ليس لديه الخبرة في الشؤون العسكرية والحنكة السياسية وكذلك عجزه عن السيطرة على أوضاع الكوفة وتردده في اتخاذ القرار في الوقت المناسب وفي حين خصمه يمتلك الحنكة والخبرة السياسية ودهاء وقوّة إدارة حيث دخل الكوفة وليس عنده قوه يدافع بها عن نفسه فضلاً عن قدرته على الهجوم والدخول في عمليات القتال المباشرة .

وهذا الرأي يبدو سطحي ولم يبنى على أصول البحث والتحقيق والأسس العلمية ، ومن أجل معرفة مسيرة مسلم ابن عقيل بثورته لابد من دراسة المجتمع الكوفي ودراسة الظواهر الإجتماعية والإعتبارية النفسية والتراكمات التاريخية لهذا المجتمع .

كان المثلث العراقي مهد الحضارات قبل الاسلام بـ5000 سنة تقريبا بين المدائن والنجف والكوفة ،ومن هنا يظهر ان الكوفة مدينة تاريخية قديمة تعاقب عليها الناس لما تتميز به من مناخ معتدل ووفرة في الماء العذب ،وكان السريانيين آخر من استوطن الكوفة قبل تأسيسها سنة 17 للهجرة فاجتمع فيها عدد من القبائل التي وفدت من أماكن متعدّدة وثقافات مختلفة. ولعل من العوامل التي جعلت الإمام علي عليه السلام نقل العاصمة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة أنها مدينة ضاربة في التاريخ وتعاقب عليها الحضارات القديمة، بجانب العوامل الإجتماعية والسياسية والعسكرية والجغرافية لهذه المدينة العريقة .

ومن هنا اتخذها القادة الأوائل لتكون قاعدة عسكرية ومقرّاً عاماً لقيادة جيوش المسلمين على الجبهة الشرقية لبلاد فارس ولقربها أيضاً من الشام . ولأنها كانت منطقة تبادل الأسرى عند البابليين لم يسمح للجند البناء فيها وإنما كان الجندي يبني فيها كوخ من جريد النخل والحصر والبوادي ويقيم فيها فإذا خرج للقتال يزيل ذلك الكوخ وإذا رجع إلى الكوفة يسهل عليه إعادة بنائه ولأن القادة الأوائل يعتقدون أن الجندي إذا بنى المنزل يحتاج له تأثيث فينشد إلى ممتلكاته فيتثاقل عن الجهاد فبعد خمس سنوات من تأسيس الكوفة سمح لهم البناء فيها فتشكل المجتمع الكوفي من القبائل العدنانية التي استقرت في الكوفة ،وكان عددها ثمانية الآف شخص وهي تتشكل من قبيلتين تميم وبني العصر وقبائل بني بكر وهي بني أسد وقطفان ومحارب ونمير وحمير وهمدان ، وإلى جانب العنصر العربي استوطن الكوفة العنصر الفارسي.

وكانوا يسمون الحمراء وكانت الفارسية تحتل الصدارة في ذلك العصر ، ومن العناصر التي تكون منها المجتمع الكوفي السريانية وهذه القبائل انتشرت في العراق قبل الفتح الإسلامي كما ذكرنا سابقاً. أما التوزيع الديني في الكوفة فكان على النحو التالي/

 – الخوارج | واعتنق هذه الفكرة القراء وأصحاب الجباه السود حينما رفعت المصاحف في صفين وهؤلاء يمثلون وجوه الكوفة وزعمائها كقيس ابن الاشعث وعمر ابن الحجاج الزبيدي ويزيد ابن الحر وشبث ابن ربعي وعمر ابن حريث وعمر ابن سعد وكانوا يدينون بالولاء لبني أميه.

 – الشيعة| وهي التي تدين بالولاء لأهل البيت عليهم السلام وقد أخلصت شيعة الكوفة لهم بالولاء وهم قلة .

– النصارى | اقبلوا إلى الكوفة من الحيرة بعد زوال مجدها إلى اقاموا لهم في الكوفة عدة كنائس.

– نصارى تغلب | وقد استوطنوا الكوفة عند تخطيطها مع سعد بن ابي وقاص.

– نصارى نجران | نزلوا الكوفة في بدايات الخلافة الاسلامية.

– المسيحيون | كان لهم وجود تجاري وامتهنوا أعمال صياغة الذهب.

– اليهود | استوطن اليهود الكوفة سنة 20 للهجرة وقد قدم قسم كبير منهم من الحجاز بعد أن اجلاهم منها الخليفة عمر ابن الخطاب.

والجدير بالذكر أن الصرافة وصياغة الذهب كانت بأيدي اليهود فاقترض عبيد الله ابن زياد أموال طائلة منهم لشراء الذمم والوجهاء لإفشال ثورة مسلم ابن عقيل. – التوزيع العسكري وتركيبة الجيش في الكوفة /

كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي وعلى هذا الأساس وُزع الجيش إلى سبعة أسباع وهي:

1- السبع الأول | كنانه وحلفائها من الأحباش وجديلة.

2- السبع الثاني | قضاعه وغسان وبجيلاء وخثعم وكندة وحضرموت والأزد.

3- السبع الثالث | مذحج وحمير وهمدان ومن تحالف معهم.

4- السبع الرابع | تميم وسائر ارباب من تحالف معهم .

5- السبع الخامس| اسد وقطفان ومحارب وضبيعه وتغلب والنمر .

6- السبع السادس| اياد وعك وعبد القيس واهل هجر والحمراء.

7- السبع السابع | طي ومن تحالف معها. وتوزع الغنائم عليها بعد العودة من الحرب ،وضلت الكوفة على هذا التقسيم حتى سنة 50 للهجرة حيث عمد زياد ابن ابيه حاكم العراق آنذاك الى تغير ذلك التوزيع وجعله رباعي كالتالي/

 أ – أهل المدينة وجعل عليهم عمرو ابن حريث .

 ب – تميم وهمدان وعليهم خالد ابن عرفطه.

 جـ – ربيعه وكنده وعليهم قيس ابن الوليد ابن عبد شمس.

 د – مذحج وأسد وعليهم أبو برده ابن أبي موسى .

و عمد إلى هذا التغير لإخضاع الكوفة لنظام حكمه والولاء للدولة الأموية.

– أما الجانب الإجتماعي والنفسي للمجتمع الكوفي /

سادت في قبائل المجتمع العربيّ في الكوفة الروح القبليّة, فكانت كلّ قبيلة تنزل في حيٍّ معيّن لها لا يشاركها فيها إلّا حلفاؤها، كما كان لكلّ قبيلة مسجدها الخاصّ، ومقبرتها الخاصّة، وعاش في الكوفة أتباع عدد من الأديان, فكان إلى جانب المسلمين بفرقهم المختلفة، المسيحيّون واليهود ، و كان النسيج الإجتماعي في الكوفة يتكوّن يوم ذاك من خليط متباين من العناصر المختلفة كما ذكرنا ، فكان فيها شيعة علي وأبنائه، وفيها من ينهجون نهج الخوارج، ولم تكن خالية من أنصار بني أُميّة. إضافة إلى ما كان يتّسم به المجتمع الكوفي في ذلك الوقت من الانتهازية والانهزاميّة والتأثّر بالدعايات. وقد وقف الأشخاص الأثرياء فيها أمثال قيس بن الاشعث ، وعمرو بن حريث، وشبث بن ربعي إلى جانب عبيد الله بن زياد. فكانت هذه العناصر المختلفة والقوام المتنوعة وغير المتجانسة وغير المنسجمة والتي تتكون الأكثرية منها من المهاجرين إلى هذه المدينة التي كانت قد أُنشئت حديثاً، سبباً في عدم الإستقرار السياسي والإجتماعي فيها.

كذلك كان المجتمع الكوفي يعيش في حاله من التناقض النفسي الصريح فكان يؤمن بشيء ويفعل ضده و أوضح الفرزدق تناقض ذلك المجتمع حينما سأله الامام الحسين عليه السلام عن أهل الكوفة فقال خلفتهم قلوبهم معك وسيوفهم مشهوره عليك ، إن حياة أهل الكوفة العملية لا تطابق ما يؤمنون به ويعتقدون به.

ومن مظاهر التناقض في المجتمع الكوفي عندما إضطر الإمام الحسن عليه السلام للصلح مع معاوية وغادر مصرهم بعد ذلك جعلوا يبكون وينوحون على ما افرطوا تجاهه ولما قتل الإمام الحسين عليه السلام وأُدخلت سبايا أهل البيت عليهم السلام مدينتهم أخذوا يعُجون بالبكاء والنحيب، فقال الإمام زين العابدين عليه السلام عن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا. كان المجتمع الكوفي في حاله من التذبذب والتردد والتخاذل وقد عرف عنهم الباحثين الصفة الغالبة أنهم مترددون متغلبون وقد وصفهم الإمام أمير المؤمنين عليهم السلام بقوله أنهم أناس مجتمعه أبدانهم مختلفة أهوائهم وأن من فاز بهم فاز بالسهم الاخيب وأنه أصبح لا يطمع في نصرتهم ولا يصدق حولهم .

لذلك كانت هذه التناقضات و الحساسيّات والعصبيّات القبليّة والاجتماعية دفعت بأهل الكوفة إلى الإسراع في اتخاذ القرارات عند مشاهدة أقلّ نفع أو ضرر كي لا تتقدّم عليها القبائل الأخرى. وبعبارة أخرى: جعلتهم تلك العصبيّات أشخاصاً متسرّعين، لا يمكنهم اتخاذ قرارات انطلاقاً من التعمّق والدراسة, وبالتالي وقعوا في المهلكات وقد ساهمت العصبيّات القبليّة في عدم وجود حالة وفاق اجتماعيّ.

– تمرد المجتمع الكوفي على الولاة /

بسبب السياسة القاسية التي مرت على أهل الكوفة من الفتوحات الإسلامية الغير مقننة ولم يعقبها تربيه وتوجيه للأمة أثرت تأثير سلبي فلا يكاد يتولى عليهم والي أو حاكم حتى أعلنوا التمرد والطعن فيه فقد طعنوا في سعد ابن أبي وقاص مؤسس مدينتهم فعزله عمر فولى مكانه الصحابي الجليل عمار بن ياسر فلم يلبثوا برهاً من الزمن فخلعوه وعزلوه فعين عمر مكانه ابى موسى الأشعري ولم تمضي أيام على ولايته حتى ثاروا عليه وقالوا لا حاجة لنا في أبي موسى فضاق عمر بهم ذرعاً وبدى عليه التضجر .

إنّ أشخاصاً كهؤلاء لا يمكن أن يكونوا منقادين حتّى لحكّامهم, وقد شهد التاريخ أنّ أهل الكوفة- بعد موت زياد ابن أبيه- بدّلوا حاكم الكوفة خمس مرّات, منذ العام 53 إلى العام 60.

فوصفهم المختار الثقفي لعبدالله ابن الزبير حينما سأل عنهم فقال (لسلطانهم في العلانية اولياء وفي السر اعداء ) بالإضافة إلى ما كان يتّسم به المجتمع الكوفي في ذلك الوقت من الانتهازية والانهزاميّة والتأثّر بالدعايات كما ذكرنا سابقاً .

أما الجانب الإقتصادي للمجتمع الكوفي فكان يتسم بعدم التوازن المادي فبروز وجوه تتمتع بالثراء الفاحش في المجتمع كان له أثر كبير في شراء الذمم واستمالة الناس بالمال بكل سهولة .

فمنحت الدولة الأموية هذه الطبقة الهبات والامتيازات على حساب الفقراء والمساكين والضعفاء والمحرومين ومن بين هؤلاء:

قيس بن الأشعث | منحُ اراضي واسعه في العراق في عهد عثمان ابن عفان وكان في طليعة الاقطاعين.

عمرو ابن حريث | وكان اغنى رجل في الكوفة ولعب دور كبير في افشال ثورة مسلم ابن عقيل وشل حركته.

شبث ابن ربعي | وهو من الطبقة الأرستقراطية البارزة في الكوفة ويملك نفوذاً واسع وله شبكة علاقات قبلية مؤثرة.

والنتيجة جميع تفاصيل هذه العوامل ساهمت في إفشال ثورة مسلم ابن عقيل عليه السلام .

السلام على سفير الحسين وثقته الغريب / مسلم بن عقيل ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

براعــــــــــــم

ينابيع الجفر – الشاعر جاسم عساكر براعــــــــــــم بداية العام 1440هـ ، ليس رقماً لتاريخ عابر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *