2020/09/23 4:37:50 مساءً
أخبار عاجلة
الرئيسية / آراء ومقالات / القوّة الاجتماعية للنص

القوّة الاجتماعية للنص

ينابيع الجفر – أ.زكريا العباد

في زمن تقنية التواصل الاجتماعي النصي هذا، يبدو أن علينا أن نوسّع مفهوم النص من مجرّد مجموعة من المفردات التي تحمل كلّ واحدة منها معنى جزئيا ليتكوّن من ضمّها لبعضها البعض المعنى الكلّي، هذا المعنى المعجمي القديم سيتوسّع بإدخال القارئ كعنصر فعّال في تخليق معنى النصّ ليشمل مجالات معرفية أخرى تتدخل في صنع المعنى الخارجي غير السكوني للنص، في مقابل المعنى القار في بطن العبارة، أو بطن الكاتب، المعنى الحيوي في مقابل المعنى الواقف. العديد من النصوص ربما بدت في زمن ما للكثير من القراء كنصوص جامدة أو مصمتة، وربما عبثية وعديمة الجدوى أو قليلة القيمة، مثل هذه النصوص ربما احتاجت إلى مرور زمن كافٍ كي تجد قراءً يمتلكون مفاتيحها وبإمكانهم فك مغاليقها. لعلّ في هذا ما يجعلنا نشكّ، أو على الأقل نعيد النظر في ثنائية نصّ (مغلق/ مفتوح) المستندة على النّص وحده، والتي منها يتم تقسيم النصّ العلمي كنصّ مغلق، والأدبي كنصّ مفتوح على تعدد القراءات.

فالنصوص كتبت لتتضمّن شبكة علاقات داخلية يؤدي تفكيكها وإعادة بنائها إلى فهم الرمز الذي تعمّد الكاتب إخفاءه لظروف سياسية أو اجتماعية فرضت إخفاء الرسالة وقت كتابة النّص، لنأخذ حكايات (ألف ليلة وليلة) على سبيل المثال، فهي حكايات قرئت في زمنها من زاوية ضيقة على أساس أنها حكايات للتسلية، لكنّ عملية إعادة قراءتها وفق المناهج النقدية والأدبية الحديثة كشفت عن أبعاد واسعة لهذه الحكايات كانت خافية، ووظائف اجتماعية هامة أرادت القيام بها. ما يعني أنها نصوص لم تؤد دورها الاجتماعي في زمنها، بل بدأت عملها بعد انقضاء زمنها، ما يفتح السؤال عن جدوى عملها بعد انقضاء ظروفها التي كتبت لها. وعلى ذات المنوال نجد كتاب (كليلة ودمنة)، حيث لجأ عبدالله ابن المقفع فيه إلى الترجمة من بيئة بعيدة وهي الهند، ورواية الفكرة على لسان الحيوان، لكي يتناول فكرة سياسية تتحدث عن دور الحكيم أو المفكر في الحكم من خلال نصح الحكيم بيدبا للملك دبشليم بطاعة الحكماء في شؤون الحكم، ما يؤسس لدور للمثقف أو المفكر أو الفيلسوف في السلطة على غرار ما يراه أفلاطون من قيادة الفيلسوف للمدينة الفاضلة، كلّ ذلك التخفّي كان من أجل الهروب والاختفاء من عين الرقيب، إلا أن ابن المقفع لم يسلم رغم ذلك من العقاب، ما يعني أنّ النصّ يصمم أحيانا كقنبلة موقوتة صممت لكي تعمل بعد مغادرة زارعها لا أثناء وجوده، لكنّ تفاعل القارئ قد يستعجل زمن فعل النصّ. إن تحوّل النصّ من بعده الفردي إلى بعده الاجتماعي من خلال القارئ، يجعله متصلا بالشبكة الاجتماعية بما فيها من أنساق وتحوّلات وتيارات، ويوقف النصّ على تماسّ مسالم أو معارض لنسق ما سائد، مجادل أو تابع، وهو في ذات الوقت قوّة مستفاد منها في هذا الاتجاه أو ذاك، ما يجعل دلالته أحياناً في مهبّ رياح قوى وأمزجة لا متناهية ترغب في السيطرة عليه بطريقة أو أخرى، منها القص والمنع والتحريف والتأويل.

شاهد أيضاً

براعــــــــــــم

ينابيع الجفر – الشاعر جاسم عساكر براعــــــــــــم بداية العام 1440هـ ، ليس رقماً لتاريخ عابر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *